[التعاليم السرية لكافة العصور][المقدمة]

Lost|pages

حارس المخطوطات
طاقم الإدارة
المشاركات
2,018
مستوى التفاعل
5,995
التعاليم السرّية لكافة العصور
Secret Teachings of All Ages
by Manly P. Hall
61lwXF1QXUL._UX250_.jpg

ترجمة:
محتوى مخفي تسجيل الدخول أو تسجيل لمشاهدة الروابط
وكافة حقوق الترجمة محفوظة لمكتبة ألفا العلمية 2015م.

مقدّمة:
الفلسفة Philosophy هي العلم الذي يهدف إلى تقدير القيم. حيث يتم تحديد التفوّق بين كل منزلة وأخرى وبين كل ماهيّة وأخرى بواسطة الفلسفة. من خلال تخصيص مكانة للأشياء ذات الأهمية القصوى في حين يتم إقصاء كل ما هو ثانوي, هكذا تصبح الفلسفة مؤشر حقيقي ذو أفضلية أو تركيز في مجال الفكر التأملي. إن مهمة الفلسفة تقتضي بصورة بديهية على إقامة علاقة بين الأشياء المتجلّية وبين طبيعتها أو سببها الأساسي (الأولي) غير المرئيين.

"الفلسفة", كما كتب عنها السير وليام هاملتون Sir William Hamilton, "تم تعريفها [حسب]: علم الأمور الإلهيّة والبشرية, ومضمون الأسباب [شيشرون]؛ علم التأثيرات وأسبابها [هوبز]؛ علم الأسباب الكافية [لايبنتس]؛ علم الأشياء الممكنة بقدر ما هي ممكنة [وولف]؛ علم البديهيات المستخلصة من المبادئ الأولى [ديكارت]؛ علم الحقائق, الملموسة والمجرّدة [دي كوندياك]؛ استعمال العقل في غاياته المشروعة [تنمان]؛ علم العلاقات بين كافة المعارف والغايات الضرورية للعقل البشري [كانت]؛ علم النموذج الأصلي لـ(الأنا) أو الطبيعة العقلية للذات [كروغ]؛ علم العلوم [فيشته]؛ علم المطلق [فون شيلينغ]؛ علم اللامبالاة المطلقة للمثالي والحقيقي [فون شيلينغ] – أو هويّة الهويّة واللاهويّة [هيغل]." (See Lectures on Metaphysics and Logic)

العناوين الستة التي بموجبها تُصنّف مجالات الفلسفة عادةً هي: الميتافيزيقا Metaphysics (ما وراء الطبيعة), والتي تتعامل مع مواضيع مجرّدة مثل علم الكونيات واللَّاهُوت وطبيعة الوجود. المنطق Logic, الذي يتعامل مع القوانين التي تحكم التفكير العقلاني, أو كما كان يطلق عليه "عقيدة المغالطات". الأخلاقيات Ethics, وهو العلم الذي يتناول جوانب المبادئ الأخلاقية والمسؤولية الفردية والسمات الشخصية – والذي يُعنى بالدرجة الأولى في محاولة تحديد طبيعة الخير. علم النفس Psychology, وهو علم مكرّس لتدارُس وتصنيف تلك الأشكال من الظواهر التي مردّها إلى منشأ عقلي أو نفسي. إبستيمولوجيا Epistemology أو نظرية المعرفة, وهو العلم الذي يُعنى في المقام الأول 0اسة طبيعة المعرفة ذاتها, ومسألة ما إذا كانت قد تكون موجودة في هيئة مطلقة. الجماليات Aesthetics أو علم المحاسن, وهو العلم الذي يهتم 0اسة طبيعة الجمال, التناغم, الأناقة والنبل, وردود الأفعال التي تُثار من قِبلها.

يعتبر أفلاطون Plato الفلسفة بأنها أعظم نعمة على الإطلاق قد مُنحت للإنسان من قِبل الألوهيَّة. ومع ذلك, في القرن العشرين, أصبحت الفلسفة تركيبة معقّدة ومضجرة من المفاهيم التعسّفية المتناقضة – و مع هذا كل واحدة منها مدعومة بمنطق لا يقبل الجدل تقريباً. النظريات السامية للأكاديمية القديمة والتي شبّهها الفيلسوف الأفلاطوني إمبليكوس Iamblichus بطعام وشراب الآلهة قد شابها الرأي القائل بأن ذلك البتْعُ السماوي سيستحيل بالكامل التعرّف عليه الآن أمام هذه الأفلاطونية المُحدثة Neo-Platonist العظيمة, ولقد صرّح الفيلسوف اليوناني هرقليطس Heraclitus حول ذلك الرأي بقوله أنه داءٌ للعقل. أدلة مقنعة كثيرة تشير إلى أن السطحية المتزايدة للفكر العلمي والفلسفي الحديث تجرفه باستمرار نحو اعتناق مذهب المادية Materialism. عندما سُئِل العالم الفلكي الشهير لابلاس من قِبل نابليون عن سبب عدم تطرّقه الحديث عن الله في كتابه "ميكانيكا الأجسام السماوية" Traité de la Mécanique Céleste, أجابه الرياضياتي بسذاجة: "سيدي, لم يكن لدي أيّ حاجة لتلك الفرضية !".

في أطروحته عن الإلحاد, يلخّص السير فرانسيس بيكون Sir Francis Bacon الوضع بشكل مقتضب على النحو التالي: "القليل من الفلسفة تميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد, ولكن التعمّق في الفلسفة ينزع عقل الإنسان إلى الدين". يفتتح الفيلسوف اليوناني أرسطو كتابه "الميتافيزيقا" The Metaphysics بهذه الكلمات: "كل البشر يتوقون إلى المعرفة بالفطرة". ولإشباع تلك الغريزة المشتركة فإن العقل البشري المتفتّح قد استكشف الحدود القصوى من المساحة الخارجية التي يمكن تخيلها والحدود القصوى من النفس الداخلية التي يمكن تخيلها, سعياً لتقدير العلاقة بين الواحد والكل؛ بين السبب والنتيجة؛ بين الطبيعة وأساس الطبيعة؛ بين العقل ومصدر العقل؛ بين الروح وجوهر الروح؛ بين الوهم والحقيقة.

قال أحد الفلاسفة القدماء ذات مرة: "من ليست لديه أدنى معرفة بالقواسم المشتركة هو بهيمة بين الرجال. ومن له معرفة دقيقة بهموم الإنسان فقط هو رجل بين البهائم. ولكن الذي يعرف كل ما يمكن أن يُعرف بواسطة المقدرة الفكرية, هو إله بين الرجال". بناءاً على ذلك فإن مكانة الإنسان في العالم الطبيعي يتم تحديدها من خلال نوعيّة تفكيره. من ناحية فلسفية, المرء الذي يمتلك عقلاً تستعبده غرائزه الحيوانية لا يعتبر أرفع منزلة من البهيمة, وذلك الذي يصرف ملكاته العقلية بالتفكير ملياً في شؤون البشر إنما هو إنسان, وأما ذلك الذي ارتقى فكره إلى التبصّر في الحقائق الإلهية هو بالفعل نصف إله Demigod, وبقدر ما يوصله عقله فهو يقرّبه لذلك النور ليكون جزءاً منه. في مديحه لــ"علم العلوم", هتف الخطيب الروماني (شيشرون) بقوة قائلاً: "أيتها الفلسفة, يا دليلة الروح!. يا باحثة عن الفضيلة وطاردة للرذيلة!. كيف كنا سنغدو نحن وكل عصور البشر لولاك ؟. أنتِ التي امتلكتِ المدن المثمرة؛ وإليك اجتمع الرجال المتفرقون ليأنسوا بالحياة."
 

في هذا العصر يعتبر مصطلح الفلسفة ذو معنى بسيط ما لم يكن مصحوباً ببعض العبارات الوصفية الأخرى. لقد تم تقسيم بنية الفلسفة إلى العديد من المذاهب isms المتضادة, والتي أصبحت مهتمة جداً ببذل جهدها في دحض مغالطات بعضها البعض, حتى باتت المسائل الرفيعة التي تناقش النظام الإلهي ومصير الإنسان تعاني حالة من الإهمال بصورة تبعث على الأسى. إن المهمة المثالية للفلسفة تقتضي أن تكون بمثابة تأثير داعم للإستقرار تجاه الفكر الإنساني. وبفضل طبيعتها المتأصلة ينبغي أن تمنع الإنسان من إحداث أيّ قوانين غير عقلانية تخص جوانب الحياة. ومع ذلك, حتى الفلاسفة أنفسهم, بسبب إفراطهم في شرود الذهن قد أعجزوا غايات الفلسفة على تلك العقول المبتدئة والذين من المفترض عليهم أن يقودوهم عبر الطريق المستقيم والضيق للتفكير العقلاني. لسرد وتصنيف أهم المدارس الفلسفية الحالية المعترف بها سوف يتجاوز ذلك المساحة المحدودة لهذا الكتاب. إن المساحة الواسعة من التكهنات التي غطتها الفلسفة ستكون محل احترام وتقدير بشكل أفضل بعد مباحثة وجيزة لعدد قليل من النظم البارزة للإنضباط الفلسفي التي سيطرت على عالم الفكر خلال الستة والعشرين قرناً الأخيرة. كانت المدارس الفلسفية اليونانية قد بدأت استهلاليتها بظهور المفكرين المخلَّدين السبعة الذين تم منحهم ولأول مرة لقب Sophos,وهي كلمة يونانية قديمة تعني "الحكماء". وفقاً للمؤرخ اليوناني ديوغِنِس لائرتيوس Diogenes Laërtius, هؤلاء الحكماء هم: طاليس Thales, صولون Solon, خيلون Chilon, بيتاكوس Pittacus, بياس Bias, كليوبولوس Cleobulus, بيرياندر Periander. افترض طاليس بأن الماء هو الأصل أو العنصر الأولي, وأن الأرض كانت تعوم على الماء كما السفينة, والإهتزازات الأرضية تحدث نتيجة الإضطرابات في هذا البحر الكوني. وبما أن طاليس كان أيوني (عاش في مدينة مليتوس في أيونيا), أصبحت المدرسة الفكرية التي خلّدت تعاليمه تعرف باسم المدرسة الأيونية. توفي طاليس في عام 546 قبل الميلاد, وخلّفه أناكسيماندر Anaximander, ثم تبعه أنكسيمانس Anaximenes, أناكساغوراس Anaxagoras, أرخيلاوس Archelaus, وهم أواخر من مثّل المدرسة الأيونية. يختلف أناكسيماندر عن معلمه طاليس, حيث أقرّ بأن اللامحدودية Infinity متعذرة القياس والتعريف هي أصل كل الأشياء. وأكّد أنكسيمانس بأن الهواء هو العنصر الأولي في الكون؛ حتى أن الأرواح والآلهة نفسها تتألف منه.

أناكساغوراس (الذي تأثر معتقده بالمذهب الذَّري Atomism) اعتقد بأن الله هو عقل مطلق ذاتيّ الحركة؛ وأن هذا العقل المطلق الإلهي ليس منطوي في أيّ هيئة, بل يعتبر السبب الفاعل لكل الأشياء؛ حيث كل شيء في الوجود تم خلقه وفق نوعه بواسطة العقل الإلهي من خامة تتألف من أجزاء متشابهة يعود أصلها إلى الجوهر المطلق, وهو _ أيّ العقل الإلهي _ الذي أعاد كل الأشياء إلى النظام بعد أن كانت جميعها في البداية مختلطة مع بعضها في حالة من الفوضى. أمّا عن أرخيلاوس فقد صرّح بأن مبدأ كل الأشياء عبارة عن شقّين: العقل (أصله غير مادي أو روحي Incorporeal) والهواء (أصله مادي أو ملموس Corporeal), حيث الخلخلة والكثافة الحاصلة في الهواء يسفر عنها نشوء النار والماء بصورة متعاقبة. لقد افترض أرخيلاوس بأن النجوم عبارة عن أماكن لحرق الحديد. هرقليطس Heraclitus (الذي عاش في الفترة 536-470 ق.م وأحياناً التحق بالمدرسة الأيونية) صاحب مذهب التغيير والتدفّق الأبدي, أكّد بأن النار هي العنصر الأولي والكيفية التي سيعاد امتصاص العالم إليها في نهاية المطاف. لقد اعتبر بأن روح العالم تمثّل الزفير القادم من أجزائه الرطبة, وأقرّ بأن ظاهرة المدّ والجزر في البحر سببها الشمس.

بعد ظهور فيثاغورس الساموسي Pythagoras of Samos (تقع جزيرة ساموس على الساحل اليوناني), مؤسس المدرسة الفيثاغورية Pythagorean أو الإيطاليقية Italic والتي كان من بين أبرز ممثليها: إيمبيدوكليس Empedocles, إبيكارموس Epicharmus, أرخيتاس Archytas, ألقمايون Alcmaeon, هيباسوس Hippasus, فيلولاوس Philolaus و يودكسوس Eudoxus. فيثاغورس (عاش في الفترة 580-500؟ ق.م) اعتقد بأن الرياضيات Mathematics هي أكثر العلوم قداسة ودقّة على وجه العموم, وطالب جميع الذين أتوا إليه للدراسة بأن يكونوا على إلمام بمسائل الحساب, الموسيقى, علم الفلك والهندسة. ولقد وضع تركيز خاص على الحياة الفلسفية كشرط مسبق لبلوغ الحكمة. كان فيثاغورس أحد المعلمين الأوائل الذين أسسوا مجتمع حيث كافة أعضائه يتبادلون المساعدة بين بعضهم البعض سعياً إلى تحقيق إدراك مشترك في مجال العلوم الرفيعة. كما أنه طرح فكرة التدرّب على استعادة/استبطان الأحداث الماضية والتفكّر فيها باعتبار ذلك أمراً أساسياً لتطور العقل الروحي. يمكن تلخيص الفيثاغورية Pythagoreanism على أنها منظومة من التكهنات الميتافيزيقية تهتم بشأن العلاقات بين الأرقام والقوى السببية للوجود. تعتبر هذه المدرسة أول من شرح نظرية التوافقيات السماوية أو "موسيقى الأجسام الكروية" (التوافقيات هي علم الأصوات الموسيقية). قال جون ريوكلين John Reuchlin عن فيثاغورس بأنه لم يكن يدرّس تلاميذه شيئاً حتى يتعلموا التأدّب على الصمت, كون الصمت هو الرديم (الأساس) الأول للتأمل. في كتابه "السفسطة" Sophist, نسب أرسطو Aristotle الفضل لـ إيمبيدوكليس Empedocles في اكتشافه فنّ الخطابة Rhetoric. كل من فيثاغورس وإيمبيدوكليس قد وافقا على نظرية تناسخ الأرواح Transmigration, يقول إيمبيدوكليس: "صبياً كنت, ثم أصبحتُ عذراء, ثم نبتة, ثم طير, ثم سمكة, وفي البحر الشاسع سبحْت". وأما أرخيتاس فيُنسب الفضل إليه في اختراع المسمار والرافعة. حيث صرّح بكل استحسان عن كونه آفة لأنه بذلك يعتبر نفسه مناهضاً لحالة الزهد الفكري؛ كما أنه اعتبر الرجل الذي يخلو من الخداع هو نادر بمثل ندرة وجود سمكة تخلو من العظم.

تأسست الطائفة الإيلية Eleatic على يد الفيلسوف كزينوفانيس Xenophanes (الذي عاش في الفترة 570-480 ق.م), والذي برز من خلال انتقاداته لعلم الكون Cosmologic وأساطير الـ Theogonic (مبحث يسرد أصل ونسب الآلهة) التي تحدث عنها هوميروس Homer وهزيود Hesiod. لقد أقرّ كزينوفانيس بأن الله هو "واحد لا جسد له, محيط من حيث الظاهر والباطن, لا يشبه الإنسان بأي حال من الأحوال؛ وأنه هو البصير السميع, ولكنه لا يتنفس؛ وأنه هو كل شيء, العقل والحكمة, صمد لم يلد ولم يولد, متين, الباقي الذي لا يتغير, وحكيم". كان كزينوفانيس يعتقد بأن كل الأشياء الموجودة هي أبدية, وأن العالم بلا بداية أو نهاية, وأن كل ما خُلق هو عرضة للفساد. عاش كزينوفانيس عمراً طويلاً ويقال أنه دفن أبناءه بيديه. أمّا عن بارمنيدس Parmenides فقد تتلّمذ على يد كزينوفانيس, ولكنه لم يقبل تماماً بمعتقداته. صرّح بارمنيدس بأن الأحاسيس مجرد وهم وأن العقل هو المعيار الوحيد للحقيقة. كما أنه أكّد في البداية بأن الأرض كروية وأيضاً سطحها مقسّم إلى مناطق حارة وباردة.

ميليسوس Melissus, الذي انضم إلى المدرسة الإيلية, تمسّك بالعديد من الآراء المشتركة مع بارمنيدس. لقد أقرّ بأن الكون ثابت/غير منقول immovable لأنه يحتل كافة المساحة ولا يوجد مكان آخر حتى يمكن نقله إليه. ورفض كذلك نظرية وجود الفراغ في الفضاء. أمّا عن زينون الإيلي Zeno of Elea فلقد حافظ على الرأي القائل بأن الفراغ لا يمكن أن يوجد. أيضاً رفض نظرية الحركة, وأكّد بأنه لا يوجد سوى إله واحد, وبأنه كيان صمد لم يلد ولم يولد. وعلى غرار كزينوفانيس, تصور بأن الإله كرويّ الهيئة. وبالنسبة لـ ليوكيبوس Leucippus فقد اعتقد بأن الكون يتألف من قسمين: القسم الأول تام full والآخر فراغ vacuum. ومن اللامحدودية Infinite انحدرت مجموعة من الجسيمات المجزأة الدقيقة إلى الفراغ, حيث من خلال التحريض المستمر نظّمت أنفسها إلى أجسام كروية.

لقد توسّع ديموقريطوس Democritus العظيم إلى حد معين في النظرية الذرية لـ ليوكيبوس. كما أقرّ بأن مبادئ كل الأشياء عبارة عن شقّين: الذرات والفراغ. لقد أكّد بأن كلاهما (الذرات والفراغ) غير متناهيين, سواء في عدد الذرات أو حجم الفراغ. وبالتالي يجب أن تتألف جميع الأجسام من ذرات أو فراغ. تمتلك الذرات خاصيتين, الشكل والحجم, وكلاهما يتميز بالتنوع اللامتناهي. كما تصوّر ديموقريطوس بأن الروح لها بنية ذرية وعرضة للتحلل بتحلل الجسد. وكان يعتقد بأن العقل يتألف من ذرات روحية. أرسطو أشار إلى أن ديموقريطوس حصل على نظريته الذرية من مفهوم Monad الذي يعود إلى المذهب الفيثاغوري (وفقاً للفيثاغوريين, Monad هو مصطلح يشير إلى الألوهية أو الكيان الأول, وتعني كذلك المصدر أو المعنى الواحد دون أن ينقسم). كان من بين الذين انضموا إلى المدرسة الإيلية؛ بروتاغوراس Protagoras (زعيم الفكر السوفسطائي في القرن الخامس ق.م) وأناكساركوس Anaxarchus.
 
سقراط Socrates (عاش في الفترة 469-399 ق.م), مؤسس الطائفة السقراطية Socratic, بما أنه كان شكّاكاً في الأساس, لم يفرض أراءه على الآخرين, ولكن عبر وسيلة من التساؤلات تحضّ كل رجل إلى التعبير عن فلسفته الخاصة. وفقاً لـ بلوتارخ Plutarch, كان سقراط يتصوّر بأن كل مكان في العالم هو مناسب لأن يكون مدرسة للفضيلة. اعتقد بأن الروح كانت موجودة قبل الجسد, وقبل أن تنغمر فيه, كانت قد وهِبت كل المعرفة؛ حيث عندما تدخل الروح إلى الغِمار المادي تصبح مخدّرة, ولكن من خلال نقاشاتها حول المسائل المنطقية فإن ذلك يؤدي إلى إعادة إيقاظها واستعادتها لمعرفتها الأصلية. وعلى ضوء هذه الفرضيات فلقد أسند محاولته لتحفيز قوة الروح من خلال المفارقات والإستقراء (الاستدلال الذي ينتقل من الجزئي إلى الكلّي). وقد قيل عن سقراط بأن الموضوع الوحيد الذي تناولته فلسفته هو الإنسان. وهو بنفسه أقرّ بأن الفلسفة سبيل للسعادة الحقيقية وأن الغاية منها تنقسم لشقّين: (1) للتفكّر في الله, و (2) تجريد الروح من الإحساس المادي.

لقد اعتقد بأن مبادئ (أصل) كل الأشياء تنطوي في ثلاثة أمور: الله, المادة, والأفكار. لقد قال عن الله: "لا أعلم ما يكون, وأعلم ما لا يكون" "What He is I know not; what He is not I know". لقد عرّف المادة بأنها موضع/عرضة للتكاثر والفساد؛ وأن الفكرة جوهر غير قابلة للفساد -- فكر منبثق عن الله. لقد اعتبر الحكمة بأنها جِماعُ الفضائل. كان من بين الأعضاء البارزين في الطائفة السقراطية: زينوفون Xenophon, إيسخينيس Aeschines, كريتو Crito, سيمون Simon, غلاوكو Glauco, سيمياس Simmias, سيبس Cebes. البروفيسور زيلر Professor Zeller, المتبحّر في الفلسفات القديمة, قد أعلن مؤخراً عن كتابات زينوفون المتعلقة بسقراط بأنها مزوّرة. عندما عُرضت لأول مرة مسرحية (السحب) للكاتب الإغريقي أريستوفانيس The Clouds of Aristophanes, وهي مسرحية كوميدية تمت كتابتها للسخرية من نظريات سقراط, حظرالمتشكّك العظيم لمشاهدة المسرحية بنفسه. وأثناء العرض, الذي كان يصوّره بطريقة ساخرة وهو يجلس في سلة مرتفعة في الهواء يدرس الشمس, نهض سقراط بهدوء فوق مقعده, كان ذلك أفضل لتمكين المتفرجين الأثينيين لمقارنة ملامحه العادية غير الجذابة مع القناع البشع الذي يرتديه الممثل المنتحل شخصيته.

تأسست الطائفة الإليانية Elean على يد فيدو الإيلي Phaedo of Elis (إيليا Elis هي إحدى مقاطعات اليونان), وهو شاب من عائلة نبيلة, تم عتقه من العبودية بتحريض من سقراط وأصبح فيما بعد تلميذه المخلص. كان أفلاطون معجباً للغاية بعقلية فيدو حتى أنه أطلق على واحدة من أشهر حواراته بـ The Phaedo (كانت تصوّر موت سقراط). لقد تبع فيدو في مدرسته البلايسثينيين Pleisthenes (مسمى يطلق على عدة أشخاص مختلفين ينحدرون من تانتالوس Tantalus), ثم تبعهم الفيلسوف اليوناني مينيديموس Menedemus. لم يعُرف عن مبادئ الطائفة الإليانية سوى القليل. زُعِم بأن مينيديموس قد مال نحو تعاليم ستلبو Stilpo والطائفة الميغارية Megarian. عندما طُلب من مينيديموس أن يبدي بآرائه, أجاب بأنه حرّ, وهو بذلك يلمّح إلى أن معظم الرجال مستعبدين لآرائهم. كان مينيديموس على ما يبدو ذو طبع عدواني بعض الشيء وغالباً ما كان يرجع من دروسه وهو يعاني من كدمات شديدة. وقد ورد في أكثر أطروحاته شهرة التالي: التشابه بين شيئين لا يعني أنهما قد يختلفان. بعدما تم الإقرار بهذه النقطة, واصل مينيديموس يقول: حصول الفائدة لا يعني/لا يشبه حصولك على خير, وبالتالي الخير لا يعتبر فائدة. بعد رحيل زمن مينيديموس أصبحت الطائفة الإليانية تعرف باسم الإريتريانية The Eretrian (إريتريا هي مدينة في إففويا في اليونان). وقد استنكر دعاتها جميع الأطروحات السلبية وجميع النظريات المعقدة والمبهمة, معلنين بذلك أن المبادئ الإيجابية والبسيطة فقط يمكن أن تكون صحيحة.

تأسست الطائفة الميغارية Megarian على يد إقليدس الميغاري Euclid of Megara (ليس المقصود إقليدس عالم الرياضيات الشهير), وكان شديد الإعجاب بسقراط. عندما أقرّ الأثينيّون Athenians قانوناً يأمر بقتل أيّ مواطن من ميغارا Megara يتم العثور عليه في أثينا Athens, لم يُرهب ذلك إقليدس أو يثبط همته بل قام بارتداء ملابس امرأة وذهب للدراسة عند سقراط ليلاً. بعد موت سقراط بطريقة وحشية, فرّ تلاميذه إلى ميغارا خوفاً من حصول مصير مماثل لهم كما حصل لمعلمهم, حيث تمتعوا بصحبة إقليدس التي حظوها بشرف كبير. قبلت المدرسة الميغارية المذهب السقراطي القائل بأن الفضيلة هي الحكمة, وأضافوا إلى ذلك المفهوم الإيلي Eleatic القائل بأن الخير هو الوحدة المطلقة وكل تغيير يعتبر ضرباً من أوهام عالم الحس. زعم إقليدس بأن الخير لا نقيض له وبالتالي لا وجود للشر. وعندما سئل عن طبيعة الآلهة, صرّح بأنه يجهل تصرفاتهم سوى أنهم يكرهون الأشخاص الفضوليين.

لقد تم إدراج الميغاريين Megarians أحياناً ضمن الفلاسفة الجدليين dialectic philosophers. وقد خلف إقليدس (الذي توفي 374؟ ق.م) في مدرسته الفيلسوف أوبوليدس Eubulides, وكان من بين تلاميذه ألكساينس Alexinus و أبولونيوس كرونوس Apollonius Cronus. كان من بين أبرز أتباع أوبوليدس الفيسلوف يوفانتوس Euphantus, الذي عاش عمراً طويلاً وكتب العديد من التراجيديا. عادة ما التحق ديودوروس Diodorus إلى المدرسة الميغارية, بعد سماعه محاضرة أوبوليدس. وفقاً للأسطورة, توفي ديودوروس بسبب الحزن لأنه لم يستطع الإجابة فوراً على أسئلة معينة سأله إياها الفيلسوف ستبلو Stilpo, الذي كان في وقت ما سيد المدرسة الميغارية. لقد تصوّر ديودوروس بأنه لا يوجد شيء يمكن نقله أو تحريكه, حيث لأجل تحريكه وجب أخذه من المكان الذي هو فيه ووضعه في مكان ليس فيه, وهو أمر مستحيل لأن كل الأشياء يجب أن تكون دائماً في الأماكن التي توجد فيها.
 

كان الكلبيون Cynics عبارة طائفة تأسست على يد الفيلسوف أنتيستنيس الأثيني Antisthenes of Athens (عاش بين الفترة 444-365؟ ق.م), وهو أحد تلاميذ سقراط. يمكن وصف مذهبهم على أنه فردية متطرّفة تعتبر الإنسان قائم على نفسه فقط والأنصار المحيطين به عبر اتباع أسلوب غير متجانس وعيش حياة تتصف بالمعاناة والفقر المريع مما يدفعه نتيجة لذلك إلى الإعتزال كلياً إلى نفسه. لقد نبذ الكلبيون جميع ممتلكاتهم الدنيوية, وعاشوا في ملاجئ بدائية جداً واقتاتوا على أردى وأبسط أنواع الطعام. على افتراض أن الآلهة لم تكن بحاجة إلى شيء, أكد الكلبيون بأن أولئك الذين حاجاتهم قليلة فهم بالتالي يقتربون أكثر إلى الآلهة. عندما سئل أنتيستنيس عمّا استفاده من حياة الفلسفة, أجاب بأنه تعلم كيفية التحدث مع نفسه.

عُرِف ديوغِنِس السينوبي Diogenes of Sinopis في الغالب بحوضه (شبيه بالبرميل) الذي خدمه لسنوات عديدة كمنزل له في ميتروم Metroum (معبد في أولمبيا). لقد أحب شعب أثينا الفيلسوف المتسوّل, وعندما قام أحب الشبان من باب المزاح بثقب بعض الحفر في حوضه, قامت المدينة بتقديم واحدٍ جديد لـ ديوغِنِس وعاقبت الشاب. كان ديوغِنِس يعتقد بأن لا شيء في الحياة يمكن أن يتحقق على نحو ملائم من دون تدريب. وأصرّ على أن كل شيء في العالم هو ملك للإنسان الحكيم, كان ذلك تصريحاً أثبته من خلال المنطق التالي: "كل الأشياء ملكٌ للآلهة؛ والآلهة أصدقاء للحكماء؛ والأصدقاء يتشاركون كل شيء؛ وبالتالي يمتلك الحكماء كل شيء". كان من بين الكلبيين: مونيموس Monimus, أونيزيكريتوس Onesicritus, قراط Crates, ميتروكليس Metrocles, هيبارشيا Hipparchia (التي تزوجت قراط), منيبوس Menippus, و مينيديموس Menedemus.

تأسست الطائف القورينائية Cyrenaic على يد الفيلسوف إريستبوس القورينائي Aristippus of Cyrene ( عاش في الفترة 435-356؟ ق.م), مروّج مذهب المتعة أو مذهب التلذذية Hedonism. عندما اكتشف شهرة سقراط, ارتحل إريستبوس إلى أثينا وبذل نفسه لتعاليم المتشكك الكبير. لقد عانى سقراط من ميول إريستبوس الجشعة والشهوانية, وجاهد عبثاً لإصلاح الشاب. لقد تميز إريستبوس بأنه كان متوافق من حيث المبدأ والممارسة, لأنه عاش في وئام تام مع فلسفته القائلة بأن السعي نحو المتعة هو الغرض الرئيسي من الحياة. يمكن تلخيص مبادئ القورينائيين على النحو التالي: كل ما يُعرف فيما يتعلق بأيّ شيء أو أيّ ظرف هو في الواقع الشعور الذي يوقظ فطرة الإنسان. وفي مجال الأخلاق التي بدورها توقظ معظم مشاعر اللذة فقد تم تعظيمها بناءاً على ذلك باعتبارها أعظم خير على الإطلاق. وصنّفت ردود الفعل العاطفية بأنها ممتعة أو رقيقة, قاسية, ودنيئة. نهاية كل عاطفة ممتعة تكون البهجة, ونهاية كل انفعال قاسي تكون الحزن, ونهاية كل إحساس دنيء تكون لا شيء.

بعض الرجال لا يتوقون للمتعة بسبب تشوّه تفكيرهم. ومع ذلك, في الواقع, تعتبر المتعة (خاصة ذات الطابع المادي) هي النهاية الحقيقية للوجود وتتجاوز شتى مناحي المتع العقلية والروحية. ضف إلى ذلك أن المتعة تقتصر كلياً على اللحظة الآنيّة؛ والزمن الحاضر هو الزمن الوحيد. لا يمكن النظر إلى الماضي دون حسرة أو ندم ولا مواجهة المستقبل دون تخوّف أو ريبة؛ وبالتالي كلاهما لا يفضيان إلى المتعة. لا ينبغي على الإنسان أن يحزن, فالحزن هو أخطر من كل الأمراض. لقد سمحت الطبيعة للإنسان بفعل كل ما يرغب؛ غير أنه محدود بسبب القوانين والأعراف التي سنَّها بنفسه. الفيلسوف يخلو من الحسد والحب والخرافات, وأيامه ليست سوى شوط طويل من المتعة. وهكذا ارتقت صفة الإنغماس في الملذات على يد إريستبوس لتصبح ذات مكانة عالية بين الفضائل. وزيادة على ذلك أقرّ بأن الفلاسفة فقط يختلفون عن بقية الناس بأنهم لن يغيروا طريقة حياتهم لو ألغيت كل قوانين البشر. كان من بين أبرز الفلاسفة الذين تأثروا بالمبادئ القورينائية: هجسياس Hegesias, أنيقارس Anniceris, ثيودوروس Theodorus, بيون Bion.

لم ينهي المقدمة وسأتولى لاحقا إكمالها
 

أداب الحوار

المرجو التحلي بأداب الحوار وعدم الإنجرار خلف المشاحنات، بحال مضايقة إستخدم زر الإبلاغ وسنتخذ الإجراء المناسب، يمكنك الإطلاع على [ قوانين وسياسة الموقع ] و [ ماهو سايكوجين ]
أعلى